ابن كثير

62

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 45 إلى 46 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 45 ) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 46 ) هذا تعليم من اللّه تعالى لعباده المؤمنين آداب اللقاء وطريق الشجاعة عند مواجهة الأعداء ، فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا ثبت في الصحيحين عن عبد اللّه بن أبي أوفى ، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم انتظر في بعض أيامه التي لقي فيها العدو ، حتى إذا مالت الشمس قام فيهم ، فقال : « يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو ، واسألوا اللّه العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف » ثم قام النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقال : « اللهم منزل الكتاب ، ومجري السحاب ، وهازم الأحزاب ، اهزمهم وانصرنا عليهم » « 1 » . وقال عبد الرزاق : عن سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن زياد ، عن عبد اللّه بن يزيد عن عبد اللّه بن عمرو ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا اللّه العافية ، فإذا لقيتموهم فاثبتوا واذكروا اللّه ، فإن صخبوا وصاحوا فعليكم بالصمت » « 2 » ، وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني : حدثنا إبراهيم بن هاشم البغوي ، حدثنا أمية بن بسطام ، حدثنا معتمر بن سليمان ، حدثنا ثابت بن زيد عن رجل عن زيد بن أرقم عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، مرفوعا ، قال : « إن اللّه يحب الصمت عند ثلاث عند تلاوة القرآن ، وعند الزحف ، وعند الجنازة » وفي الحديث الآخر المرفوع ، يقول اللّه تعالى : « إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو مناجز قرنه » « 3 » أي لا يشغله ذلك الحال ، عن ذكري ودعائي واستعانتي . وقال سعيد بن أبي عروبة : عن قتادة في هذه الآية ، قال : افترض اللّه ذكره عند أشغل ما يكون عند الضرب بالسيوف ، وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا عبدة بن سليمان ، حدثنا ابن المبارك عن ابن جريج عن عطاء ، قال : وجب الإنصات وذكر اللّه عند الزحف ، ثم تلا هذه الآية ، قلت : يجهرون بالذكر ؟ قال : نعم ، وقال أيضا : قرأ علي يونس بن عبد الأعلى ، أنبأنا ابن وهب ، أخبرني عبد اللّه بن عياش عن يزيد بن فوذر عن كعب الأحبار ، قال ما من شيء أحب إلى اللّه تعالى من قراءة القرآن والذكر ، ولولا ذلك ما أمر الناس بالصلاة والقتال ، ألا ترون أنه أمر الناس بالذكر عند القتال ، فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ قال الشاعر : [ الطويل ] ذكرتك والخطّيّ يخطر بيننا * وقد نهلت فينا المثقّفة السّمر « 4 »

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الجهاد باب 112 ، ومسلم في الجهاد حديث 2 ، وأبو داود في الجهاد باب 89 ، وأحمد في المسند 4 / 354 . ( 2 ) أخرجه الدارمي في السير باب 6 . ( 3 ) أخرجه الترمذي في الدعوات باب 118 ، بلفظ : « إنّ عبدي كل عندي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه » . ( 4 ) البيت لأبي العطاء السندي في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص 56 ، وشرح شواهد المغني 2 / 840 ، وبلا نسبة في شرح المفصل 2 / 67 ، ومغني اللبيب 2 / 426 .